محمد طاهر الكردي
193
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
اذهب إلى أبي طلحة ، اللهم خر لرسولك ، فوجد صاحب أبي طلحة فجاء به فألحد له . انتهى ما ذكرنا من شرح الموطأ . والذي يظهر لنا ، واللّه تعالى أعلم ، أن الذين حضروا في جنازته صلى اللّه عليه وسلم من الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم لم يبلغهم قوله الشريف : ( الحدوا ولا تشقوا ، فإن اللحد لنا والشق لغيرنا ) رواه الإمام أحمد . فإنه لو بلغهم هذا القول لما اختلفوا هل يلحدوا له صلى اللّه عليه وسلم أم لا . فالحمد للّه الذي اختار له أفضل الأمرين وهو اللحد - ثم إن عائشة رضي اللّه تعالى عنها ، بعد ما مات عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه ودفن عند صاحبيه ، بنت جدارا بينها وبين القبور الثلاثة - فقد روى ابن زبالة عن عائشة ، ما زلت أضع خماري وأتفضل في ثيابي حتى دفن عمر ، فلم أزل متحفظة في ثيابي حتى بنيت بيني وبين القبور جدارا . ا ه . والخمار بالكسر : غطاء الوجه . ومعنى أتفضل في ثيابي أي اقتصر في لباسي . فكان بيت عائشة رضي اللّه تعالى عنها ، قسمين ، قسم كانت فيه القبور الشريفة ، وقسم كانت فيه عائشة رضي اللّه تعالى عنها ، وبينهما الحائط . حكمة دفنه صلى اللّه عليه وسلم في اللحد اعلم أن الدفن في اللحد أفضل من الشق . واللحد هو ما يحفر في أسفل جانب القبر - أي يحفر القبر أولا بقدر قامة وبسطة ، ثم يحفر في جانب أسفل القبر طولا من جهة القبلة بقدر ما يسع الميت ويستره فيوضع الميت في هذا الجانب المحفور على جنبه الأيمن ، مستقبل القبلة ويسند ظهره بشيء من تراب أو لبنة ، ثم يسد الجانب المحفور بلبن أو حجارة حتى لا يظهر من الميت شيء ، ثم يهال التراب على القبر حتى تملأ القامة والبسطة . وأما الشق فهو عبارة عن حفر القبر بقدر قامة وبسطة ثم يوضع الميت في هذا الشق على جانبه الأيمن أيضا ثم يسقف القبر . فدفن الأموات في اللحد أفضل إن صلبت الأرض واشتدت ، أما إذا كانت رخوة غير متماسكة فالدفن في الشق أفضل من اللحد - فلو عمل اللحد في أرض رخوة ودفن الميت فيه تنهار الأرض وتسقط عليه ، فأهل المدينة وبعض الجهات يدفنون في اللحد لأن أرضهم قويه متماسكة - وأهل مكة وبعض الجهات يدفنون في الشق لرخاوة أرضهم .